عيد العضياني
عُذُوّقٌ نَدِيَةٌ
طهر السريرة
 
 
 
الحب قطرة غيثٍ صافية تنزل بالتربة الطيبة فتثمر الرحمة والشفقة والبر والمعروف.
 
 وطيب القب طاهر السريرة تستحيل دائماً آلامه التي تعتلج في نفسه الى وجدان ٍ طاهرٍ شريف ، يشعر ببؤس البائسين فيرثي لهم وفجيعة المفجوعين فيبكي عليهم .
 
ولكن اين هو منا ذلك الطاهر وأين نحن منه ، لم نعد نراه في حياتنا الحاضرة ولا نسمع به . كلٌ منا بات يتنصل من مسئولياته تجاه مجتمعه ولا يذكر من آلام اخيه الا كما يذكر المستيقظ حلماً ضئيلاً من احلامه المزعجة ساعةً أو بعضاً من الساعة ثم يمضي لسبيله .
ما اقسانا على انفسنا وما اقسى هذه الحياة التي اوصلتنا الى هذا الوضع البائس .
وهم الحب
 
ليس الجمال  وحده كل مزايا المرأة أو الرجل بل اقلها شأناً وأدناها قيمة .
لكن الكثير من الناس لم يستطيعوا ان يفهموا شيئاً غيره أو يعتنوا بأمرٍ سواه فأن حصل بين ايديهم واستنفذوا متعتهم به حتى بدأ الملل يدب في نفوسهم ، فما هي الا فترة وجيزة من الزمن حتى ينقشع عن اعينهم غياب صورة من يعاشروهم ويزعمون انهم يحبونهم فيرون صورة لا تعجبهم ولا تروق لهم فيعودون الى انفسهم يقرأون صفحاتهم صفحة صفحة فيتبين لهم انه لم يكن الحب الذي يربطهم ببعض وأن الصلة التي بينهم ليست الا صلة الزوج بالزوجة لا صلة القلب بالقلب فيدركون اخيراً انهم لم يحسنوا الاختيار وأن شقاءً طويلاً ينتظرهم فيما بقي لهم من أيام حياتهم   
بؤسٌ تغلفه ابتسامة

 
هي حادثة لن انساها ما حييت ، وستضل مغروسة الجذور في تاريخ ذاكرتي ، اتخيلها وكأنها حدثت في الأمس القريب لأنها مؤلمة ونحن معشر البشر قد ننسى جميع ما يمر بنا من فرح وبهجة بكل بساطة ونختزن في مجلد الذكريات تلك المواقف المؤلمة .
 
وقعت تلك الحادثة و انا في سن العاشرة من العمر و انا ادرس في المرحلة الابتدائية حيث كان لدينا مدرس محبوب جداًجداً ، كان دائم المرح وكثير المزاح وتكاد الابتسامة لا تفارق وجهه.
في يومٍ اسود لم يحضر ذلك الاستاذ . كان من الطبيعي أن يفتقده الجميع ذلك لما له من طلة بهية تبعث الأريحية لنفوس الآخرين وفي اليوم التالي كانت الصدمة تهز ارجاء المدرسة من تلاميذ وهيئة تدريس و اداريين . لقد مات الاستاذ الفاضل  " صديق الجميع " ، مات زهرة المدرسة وقلبها النابض بالحياة والحيوية والفرح ، رحل وأخذ معه قلوب الكثير من الناس . لم تكن المصيبة في موته ، فالموت أمرٌ لا بد أن نسلم به فكلنا ميت ، ولكن المصيبة كانت في الطريقة التي مات بها !!. مات الاستاذ منتحراً ، مات مشنوقاً ومات سره معه .
 
مالذي جعله يقدم على الانتحار وهو ذلك الوجه البشوش الذي لا يعرف له الحزن طريق ؟ .. واذا كان هناك من أمرٍ خطيرٍ فكيف كان يخفيه بتلك الابتسامة ولم يشعر أحدٌ قط بمكامن بؤسه وشقائه ؟؟
 
سبحان الحي الذي لايموت      
انا جوهري
 
 
نامت العيون وهدأت الجفون في مضاجعها وسكنت كل سارية في الأرض وضللت انا وحدي ساهراً بجانب مذياعي المتهالك .
 
كنت انا في الثانية عشر من العمر وكان مذياعي هو اعز ما املك في ذلك الوقت فهو الوسيلة المفضلة في الغوص  في اعماق  بحور المعرفة . غير ان تلك الليلة هي الليلة المخلدة في ذاكرة حياتي .
 
كان لي في تلك الليلة ان تعانق مسامعي ذلك الصوت المخملي ، ذلك الصوت الحنون ، ذلك الصوت الطروب المليء بدفء المشاعر .اصغيت اليه وهو يغنيني و يقص حكاياني مع الحياة ، يحاكيني ويحكي عني للعالم بأسره ...
في سهرة مع سفير الحزن تنهمر مدامعي حيث لامس ذلك السفير مكامن الحزن في قلبي وهو يغني رحال ويقول :
 
رحال العمر ،، في كل العمر ،، في قلبي سهر ،، في ضي القمر
    بلا فرحة ولا موال انا رحال ،،،،،
 
وفي اخرى يقول :
 
طاوعنا في حبكم احساس ... وطاوعنا في بعدكم الناس
ماقدرنا في بعدكم نرتاح ... وما لقينا من بعــدكم افراح
 
و
 
يا ساكن الوجدان  ،،،   لاتترك الأحزان  ،،،  تلعب بأيامي
قلبي معاك مظلوم  ،،،  دايم وانا محروم   ،،، حتى في احلامي
 
اتراه جاء ذلك السفير ليواسيني ويقول لي " لست وحدك من يعاني " ؟ أم جاء ليجدد مواجعي ؟
 
كان ينتشل الكلمات من اعماق صدري ويبثها في اغانيه ومن ليلتها وانا جوهري .
 
نعم اصبحت جوهري المسمع ، جوهري العشق ، جوهري الأنسانية وجوهري الثقافة ..
 
اسمع لغيره ولكنه كان ولا زال خلافاً عن غيره وله اقول كما كان يغني ويقول :
 
قاتلتي
 
 
 
قاتلتي ،،
 
 
ردي الي أماني و آمالي وليالي التي قضيتها فيك ساهراً متمللاً ، وحياتي التي وضعتها بين يديك ووكلت امرها اليك وأعيدي الي عطفي وحناني ورحمتي واشفاقي وجميع عواطف قلبي التي ضننت بها على اهلي واقرب الناس لي وآثرتك انتِ بها من دونهم وعقيدتي في الحب والهناء وايماني بالله وبقاء الخير في الأرض .
اتستطيع

   

اتستطيع... ان تنتزع يدها من يدي وان تفصل حياتها من حياتي ؟    
لقد خلقت لي كما خلقت لها . وها هو اسمي محفور بجانب اسمها على جذور اشجار حديقتها ، وهاهي الارض و السماء والبحيرة والشمس والقمر و الاشجار والاعشاب والطيور والازهار تشهد بحبنا وغرامنا ومواقف آمالنا واحلامنا وايماننا التي اقسمناها ألا يفرق بيننا الا الموت .
فاذا كانت نفسها قد حدثتها بمقاطعتي واتخاذ سبيلاً في الحياة غير سبيلي فقد قضت علي وعلى نفسها في آن واحد . لأن الحياة الواحدة لا يمكن ان تقسم الى حياتين . 
ذكريات
   
 
 
هكذا اراد القدر أن يفرق بيني وبينها وأن تكون سعادتي منغصة بذكراها ابد الدهر . فوا اسفي عليها اسفاً لا يفارقني حتى الموت .
 
ستمر الأيام والأعوام وسأنسى كل ما مر بي من حوادث الدهر خيرها وشرها وبؤسها ورغدها ولا انسى تلك الأيام التي جمعتنا وضنت اخيراً علي  بها ولم يبقى لي منها سوى انها تلقاني في احلامي بذلك الوجه البشوش الغض الذي كانت تلقاني به في حياتها.
 
فأنا من لا يعيش الا بذكراها .  
مشاعر متسولة
 
هي تعلم اني احبها وانها كل حظي في هذه الحياة ، وان انتزاعها من

يدي انما هو بمثابةانتزاع حياتي من جنبي فهل يهون عليها ان تقتلني .

انا لست ادعوها بأسم الحب الذي رضعنا ثديه منذ طفولتنا معاً كــما

يتقاسم الأخوان ثدي امهما ولابأسم اليمين التي اقسمتها لي الا يــهدأ

لها في حياتها روع ولا يثلج لها صدر حتي انال امنيتي من حـياتي

، بل ادعوها بأسم الرحمة والشفقة لأنها محسنٌ كريم ولأنــي بائس

مسكين . وليس للبائس المسكين من سبيل في حياته غير رحمــة

المحسن الكريم .
ناقوس النسيان
 
قالت لي  وهي في قمة انهيارها :
اتعلم كم ابلغ من العمر اليوم ؟ " خمسة وثلاثون عاما ً !
 
خمسةٌ وثلاثون عاماً من الغربة . غربةٌ داخل الوطن وغربةٌ خارجه بحثً عن فرحة .
بدأت تسرد لي قصة حياتها وروت لي معاناتها منذ الطفولة البائسة في ظل الفقر والحرمان وويلات الحروب مروراً بفقدها لأخويها اللذان استشهداء فداءً للوطن وزواجها القسري وطلاقها المر وصولاً الى هجرتها الى الخليج والعذابات التي تجرعت مرارتها بعد عودة والدها مع باقي اسرته الى وطنهم وبقائها وحيدة في كنف الغربة تسابق السنين وتستعجل الثراء ولو كان الثمن اعز ما تملك " شرفها " من اجل العودة للوطن واللحاق بما تبقى لها من العمر لتمنحه لأبنها " ابراهيم " ووقوعها في شباك صديقتها وما لحقها من جراء هذه الصداقة وهي اليوم تصطدم مع وقع كلماتي بجدارِ ذكرياتٍ اليمة لم تنساها قط ولكنها دفنتها في عمرٍ حزين مقداره ثلاثة عقود .
 
قالت انه من السهل عليكم ان تتفوهوا بالحكم والمواعظ وتنميق الكلام وتبسيط الأمور . انتم لا تعرفون معنى الفاقة والحرمان وليس لأحدكم ان يفكر ولو لوهلة أن يسأل واحدةً مثلي ما الذي دفعها للقيام بمثل هذا العمل ؟ هل لأنها تهواه أم انها مرغمة على القيام به ؟ ومن أجل ماذا ؟ من اجل لقمة العيش .
صدقني لولا هذا الابراهيم لقتلت نفسي وتخلصت من هذه الدنيا ومن فيها ولكن لمن اتركه ؟ لوالدٍ تنكر له قبل ان يرزق به أم لجدٍ تسبب في أن يجني عليه هو ووالدته بحسن نيته وهو اليوم لا يقوى على الاعتماد على نفسه في  قضاء حاجته  .
لا يعرف المعاناة الا من قاسى الألم .
عرس الاحزان
 
اهذا كل ما تبقى لي منها ؟ " دعوةُ لعرسها " ..
 
غريبة هذه الدنيا كيف ان الفرح يخلق في بعض الأحيان بعض الأحزان .
 
ثمة عرس !، ثمة افراح !، ثمة احزان !،، وثمة انانية ...
اذا كانت ابنتهم ويحبونها ،، فكيف لهم ان يزجوا بها في احضان من لا تحب ؟